محمد علي سلامة

31

منهج الفرقان في علوم القرآن

إلى سماء الدنيا ، يدل على ذلك ما أخرجه الحاكم والبيهقي وغيرهما من طريق منصور عن ابن عباس ( قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان اللّه ينزله على رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بعضه في أثر بعض ) . وقد ذكر في الإتقان روايات أخرى عن ابن عباس بهذا المعنى ، وقال أسانيدها كلها صحيحة وهذا لا يقوله ابن عباس بمحض الرأي والاجتهاد بل له حكم المرفوع وإذا كانت هذه الآيات لا تنافى بينها فهي لا تنافى الواقع الثابت من أنه نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في غير شهر رمضان وليلة القدر ، لأن ذلك في نزوله إلى سماء الدنيا كما علمت ، وهذا في نزوله على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منجما بحسب الوقائع والأحوال وجواب الأسئلة والأمثال في عشرين سنة ، أو ثلاث وعشرين سنة ، أو خمس وعشرين سنة على الخلاف في مدة إقامته في مكة بعد البعثة هل هي عشر سنين أو ثلاث عشرة سنة ، أو خمس عشرة سنة وأما إقامته بالمدينة فهي عشر سنين اتفاقا . وهذا البيان الذي ذكرناه في المراد من الآيات المذكورة وطريق الجمع بينها هو الصحيح المعتمد ، حتى حكى بعضهم الاجماع عليه « 1 » و ( الحكمة ) في إنزاله جملة واحدة إلي سماء الدنيا تفخيم أمره وأمر من نزل عليه بإعلام سكان السماوات السبع بأن هذا آخر الكتب المنزلة علي خاتم الرسل لأشرف الأمم وفي ذلك تكريم لبنى آدم وإظهار شأنهم عند الملائكة ولهذا المعنى قد أمر اللّه سبعين ألف ملك أن يشيعوا سورة الأنعام وقت نزولها كما دلت علي ذلك الروايات الصحيحة . ( المقام الثاني ) في كيفية إنزاله على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . اختص القرآن الكريم من بين الكتب السماوية بأنه نزل علي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منجما مفرقا حسب الوقائع والحوادث وإجابات السائلين وقد دل على ذلك

--> ( 1 ) - إنزال القرآن إلى اللوح المحفوظ ليس خاصا به فاللوح المحفوظ يشمل كل ما علمه اللّه تعالى ، وإنزال القرآن إلى السماء الدنيا ليس فيه يقين ، وما سيق من أدلة لا ترقى به إلي مستوى الاعتقاد الواجب ، فلا يبقى إلا النزول على قلب سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم على مدى سنوات الدعوة ، ويكون معنى قوله تعالى أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله تعالى إِنَّا أَنْزَلْناهُ أي بدأنا إنزال القرآن في ليلة مباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان . . واللّه أعلم .